ابن العربي

761

أحكام القرآن

فإن قيل : أليس يقال جداد « 1 » النخل ، وحصاد الزرع ، وجذاذ البقل ؟ قلنا : الاسم العامّ الحصاد ؛ وهذه خواص العام على بعض متناولاته . وقد أجاب عنه بعض العلماء بأنه ذكر الحصاد فيما يحصد دليلا على الجداد فيما يجد ؛ لأن أحدهما يكفى عن الآخر ، ولكن النبات كان أصلا لقوله : فأنبتنا به جنات ، [ فجعلها قسما ] « 2 » وحبّ الحصيد ، فجعله قسما آخر ؛ فلما عادل الجميع اكتفى بذكره عن ذكر غيره . فإن قيل : فلم ينقل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه أخذ الزكاة من خضر المدينة ولا خيبر . قلنا : كذلك عوّل علماؤنا . وتحقيقه أنّه عدم دليل لا وجود دليل . فإن قيل : لو أخذها لنقل . قلنا : وأي حاجة إلى نقله ، والقرآن يكفى عنه . فإن قيل : الآية منسوخة بأنها مكية و [ آية ] « 3 » الزكاة مدنية . قلنا : قد قال مالك : إنّ المراد به الزكاة المفروضة . وتحقيقه في نكتة بديعة ؛ وهي أنّ القول في أنها مكية أو مدنيّة يطول . فهبكم أنها مكية ؛ إنّ اللّه أوجب الزكاة بها إيجابا مجملا فتعيّن فرض اعتقادها ، ووقف العمل بها على بيان الجنس والقدر « 4 » والوقت ، فلم تكن بمكة حتى تمهّد الإسلام بالمدينة ؛ فوقع البيان ، فتعيّن الامتثال ، وهذا لا يفقه إلا العلماء بالأصول . فإن قيل : قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنضح أو دالية نصف العشر » كلام جاء لبيان تفصيل قدر الواجب بحال الموجب فيه ، وليس القصد منه العموم حتى يقع التعويل عليه في استعمام ما سقت السماء . قلنا : هذا هو كلام إمام الحرمين ، وهو من مذهباته التي بنى عليها كتاب البرهان ، وظنّ أنها لم تدرك في غابر الأزمان ؛ وليس لها في الدلائل مكان . نحن نقول : إنّ الحديث جاء للعموم في كل مسقى ، والتفصيل قدر الواجب باختلاف حال الموجب فيه ، ولا يتعارض ذلك ؛ فيمتنع اجتماعه ، وقد مهدناه في أصول الفقه .

--> ( 1 ) في ل : أجذاذ ، تحريف . ( 2 ) من ل . ( 3 ) من ل . ( 4 ) في ا : والقول .